دفع النقيب في فرع المعلومات في قوى الامن الداخلي وسام محمود عيد حياته امس ثمنا للتقدم الذي احزرته ابحاثه في تحليل الاتصالات الهاتفية (وشبكة الانترنت) في ما يتعلق بجرائم ارهابية نفذت على الارض اللبنانية، ومنها جريمة اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري في 14 فبراير الفائت.
وكان عيد يمر تحت جسر عند تقاطع يعرف بـ «تقاطع الشفروليه» شرق بيروت ويقود الى اتجاهات مختلفة عندما انفجرت عبوة ضخمة حوالي العاشرة من قبل ظهر امس، مما ادى الى مصرعه في الحال، وكذلك مصرع مرافقه الرقيب اول في قوى الامن الداخلي اسامة مشهور مرعي، فيما سقط مدنيان واصيب نحو 40 شخصا بجراح مختلفة.
قطع الخيوط
واعتبرت جهات معينة ان اغتيال النقيب (الذي رقي الى رتبة رائد اثر استشهاده) انما يرمي الى احد امرين: اما قطع الخيوط التي توصل اليها والتي اصبح الكثير منها في حوزة لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الحريري (واعتبرت تلك الخيوط عنصرا اساسيا في التحقيق)، او توجيه انذار الى فرع المعلومات الذي يرأسه المقدم وسام الحسن الذي سبق وتلقى سلسلة من التهديدات، لكنه اصر على المضي في التحقيقات وايا كان الثمن.
والتعبير نفسه استخدمه المدير العام لقوى الامن الداخلي اللواء اشرف ريفي لدى معاينة مسرح الجريمة، مشيرا الى ان عيد كان يمسك بعدد من الملفات الحساسة، التي تتعلق بالجرائم الارهابية التي يشهدها لبنان منذ اكثر من 3 سنوات.
انها جهنم
وكان مشهد الانفجار مروعا، اذ اندلعت الحرائق في اكثر من سيارة في المنطقة، فيما كان البعض يصرخ «انها جهنم»، فالذين يقفون وراء الجريمة زرعوا عبوة بزنة كبيرة نسبيا من اجل ضمان نجاح خطتهم التي تضاف الى خطط ارهابية اخرى لم يكشف النقاب عن فاعليها.
وفي حين، كان هناك من يوجه الاتهام الى تنظيم «فتح الاسلام»، كانت جهات الاكثرية تعتبر ان مستوى الاحتراف في تنفيذ الاغتيال لا يمكن ان يقوم به تنظيم تعرض لنكسة هائلة بعد تصفيته من قبل الجيش اللبناني في الثاني من سبتمبر المنصرم، بل لا بد ان يكون وراء العملية جهاز استخبارات قادر.
ولوحظ ان وزير الاتصالات مروان حمادة اشار الى المربع الامني في ضاحية بيروت الجنوبية، التي قال انها السيارة التي استهدفته شخصيا عام 2004 انطلقت منها، ودون ان يشير بالاسم الى «حزب الله» الذي اصدر بيانا استنكر فيه الجريمة، بينما وجه رئيس الهيئة التنفيذية في «القوات اللبنانية» سمير جعجع اصابع الاتهام الى دمشق التي ندد مصدر اعلامي فيها بالانفجار، وكذلك رئيس تيار المستقبل النائب سعد الحريري.
وكالعادة، حدث خلل في اتصالات الهاتف الخليوي لدى وقوع الانفجار ولنحو ساعة بعد ذلك، فيما شوهدت سحب الدخان من البعيد وكان الانفجار من القوة بحيث سمع في عمق ضاحية بيروت الجنوبية وصولا الى مصيف عاليه، في حين تناثرت الجثث وظهرت بعض الاشلاء على الجسر الذي يعلو مسرح الجريمة، كما تضررت ابنية قريبة، وتحطم زجاج ابنية اخرى على مسافة مئات الامتار.
ويأتي انفجار امس بعد 10 ايام من انفجار استهدف سيارة تابعة للسفارة الاميركية في محلة الكرنتينا عند البوابة الشمالية لبيروت، وفي اطار تفجيرات وعمليات اغتيال متلاحقة لم تتوصل التحقيقات الى كشف اي من مرتكبيها.
الشهداء والجرحى
بالاضافة الى النقيب عيد والرقيب اول مرعب، سقط شهيد يدعى جو سركيس، واسمه مشابه لاسم وزير السياحة مما اثار لغطا في بداية الامر.
وعرف من الجرحى: رنا نجم، بيار ابوضرغم، رجا المغربي، محمد علي ماجد، سيدة الياس نجيم، علي احمد صالح، محمد خليل سلوم، لينا خليل ارزوني، ماري – تيريز ابوعون، ايليانا نجم، جميل سليم طرزي، ماريا فارس، نزيهة سليمان نعمة، فيكتور غطاس، كابي سعيد الهندي، عفيف خليل داغر، ربيع خالد عبود، سعيد عازار، جورج ابوحرب، وديع صقر، محمد عوض، عبدة رمال، ديالا حلو، ليا ميلان الياس، مخايل الطيار، زينة خوري، ليليان سركيس، جويل، حجار، ربيع رعد، محمد هرموش، غسان ديب، انطوان فرحات، روني شكرالله، خالد خير، روجيه خوري، شارل معمار ووليد كنعان.
60 كلغ من المتفجرات .. واتصال لإلهاء القوى الأمنية
تحدث معلومات عن امكان ان يكون الانفجار ناجما عن حقيبة وضعت الى جانب سيارة الـ B.M.W التي تضررت بشكل كبير. وقد حضر صاحبها وتبين ان اوراقها شرعية واخضع للتحقيق. واشارت المعلومات الى ان التفجير هو الاكبر منذ تفجير 14 فبراير 2005 وان حجم العبوة بلغ قرابة 60 كلغ من المتفجرات احدث حفرة قطرها 5 امتار و60 سنتم وعمقها متر ونصف المتر تقريبا. واوقفت القوى الامنية عددا من الاشخاص الذين تواجدوا في مكان الانفجار. واشارت مصادر امنية الى ان مجهولا اتصل صباحا بمديرية قوى الامن وابلغ عن وجود قنبلة على مدخل احدى المدارس في منطقة مار تقلا – الحازمية فتوجهت على الفور العناصر الامنية الى المحلة وفي هذا الوقت وقع الانفجار، مما فسّر بمحاولة لالهاء القوى الامنية.
خلل في العمل الاستخباري:
رصد «العدو الإسرائيلي» فقط.. واعتبار الآخرين خارج الخطورة
ذكرت مصادر مطلعة ان هناك خللا قد يكون جوهريا في العمل الاستخباري لأكثر من جهاز تابع للسلطة اللبنانية، مما يسهم في ابقاء الكثير من عوامل التفجير والتخريب «فالتة» وغير مراقبة في انتظار صدفة أو.. كارثة! وأوضحت هذه المصادر ان التعليمات «التلقائية» تقول برصيد ومتابعة كل ما له صلة مباشرة أو غير مباشرة بـ«العدو الاسرائيلي وعملائه المحتلين». وفي المقابل، فإن الاستطلاع الوقائي او «التلقائي» لنشاط يتصل بجهات ذات صلة بسوريا أو ايران لا يدخل ضمن التوجيهات المشار اليها، وبالتالي فإنه لا يوضع ضمن آلية العمل والـ System المعمول به.
واستدركت المصادر قائلة ان بعض الخروج على تلك القاعدة قد بدأ يرتسم في نشاط جهات فاعلة مثل فرع المعلومات، لجهة رصد وتتبع «اصابع» تعمل لمصلحة نظام الوصاية السابق، او تعطي توجيهات للتحضير لأعمال عنف او ما يتصل بها، مما اسهم في كشف العديد من «التحضيرات» والمتفجرات وغيرها. وتصل المصادر الى استنتاج اولي – ريثما تتضح الصورة كاملة في وقت لاحق – هو ان استهداف اثنين من رموز فرع المعلومات حتى الآن، قد يكون بسبب شذوذه عن قاعدة التبرئة المفترضة لاي جهة ( أو دولة) باستثناء العدو الاسرائيلي، من أي رصد للتحركات والاتصالات المشبوهة.
حمادة: منطقة الانفجار تشكل مدخلا لمربعات أمنية
رأى وزير الاتصالات مروان حمادة ان المايسترو الذي يقف وراء الانفجارات واحد، مشيرا الى ان منطقة الانفجار في الشفروليه، حيث استهدف النقيب وسام عيد ومنطقة بعبدا، حيث قتل مدير العمليات في الجيش اللبناني فرنسوا الحاج يمكن الذهاب منها الى مناطق امنية خارج سلطة الدولة (في اشارة واضحة الى المربع الامني لحزب الله في الضاحية الجنوبية). وسأل عن امكان قوى الامن القيام بدورها في ظل وجود مربعات امنية خارج سلطة الدولة.
عرقلة المبادرة بالتفجيرات
واتهم وزير الشباب والرياضة احمد فتفت من يحاول عرقلة المبادرة العربية، الجهات الداخلية منها والخارجية، باحداث التفجيرات «على الاقل من الناحية السياسية»، مشيرا الى ان «المجرمين يحاولون اثبات مقولة الملك هو الفراغ». واعتبر ان مسؤولية كبيرة تقع على عاتق العرب، مشيرا الى ان الاجتماع المقرر عقده في القاهرة يجب ان يحمل قرارات جريئة وتفسيرا واضحا للمبادرة العربية.
المصدر : القبس
--------------------------------------------------------------------------------